السنوات العجاف ذكريات سجين -9  
العودة إلى المقالات

السنوات العجاف ذكريات سجين -9

 

 بقلم الصادق الرقيعي

 
 
تصوير و قلق و هم شديد
 
و بعد أيام فوجئت بالكهل الذى أعطانى أقراص الدواء بعد أن اغرقت فى الفصقية و عذبت بالضرب , فوجئت به - عندما اخرجت من غرفتى - و بيده شفرة حلاقة , حيث أمرنى بغسل رأسى ليحلقه , فأزال الشعر منه نهائيا , و ترك لحيتى التى نمت و طالت على مدى شهرين تقريبا .
و فى الليل أبلغنى زميلى فى الغرفة المجاورة بأنه فعل به مثل ذلك.
لكن المفاجأة الصاعقة كانت بعد ذلك مباشرة حيث فوجئت بمصور يلتقط لى الصور و كذلك فعل بزملائى , و نحن على تلك الحالة ( لحية طويلة و رأس أقرع ) فأصابنى هم ثقيل ؛ فقد أيقنت أن وراء هذا التصوير أمرا دبرته السلطات , و قد تصورت السيناريو التالى : ستقول وسائل اعلام القذافي انه قبض على عصابة من الاخوان المسلمين الذين يتآمرون على الثورة , و وجدنا انهم على علاقة بالمخابرات الأمريكية cia و أننا كشفنا مخططاتهم للإنقلاب على ( سلطة الشعب ) و الإستيلاء على الحكم , و أن الجماهير ستتولى القصاص منهم دون محاكمة , و فى اليوم التالى تنشر صورنا فى الصحف , مع تهم تكال الينا جزافا , و فى اليوم الثالث يجمع طلاب المدارس لصنع مسيرات غاضبة !! تطوف شوارع طرابلس و ربما شوارع مدن اخرى , مطالبة بسحق الخونة المرتدين و عدم الرأفة بهم , و فى نفس اليوم تنصب المشانق فى الجامعة و بعض الميادين العامة , و تتولى ( اللجان الثورية ) تنفيذ حكم الاعدام بنا !! و اعلق الآن فأقول : لقد نفذ هذا السيناريو بحذافيره فى أبريل عام 1983 , ففى يوم السابع من أبريل من هذا العام شنق أحد الشباب بالجامعة هو محمد مهذب حفاف, متهما بالعضوية فى حزب التحرير الإسلامى , و الأمر المزرى أن هذا الشاب كان سجينا منذ 1973 , و قد حكم عليه عام 1977 بالسجن لمدة 15 سنة وقد حضرت بعض جلسات المحكمة التي حاكمته ، لكن السلطات قررت التخلص منه و ارهاب الناس بقتله و هكذا كان .
و اتبع هذا السيناريو أيضا فى أبريل عام 1984 حيت أعدم بعض الشباب من شركائنا فى القضية ، فى الجامعة بطرابلس , و هم : الصادق شلادى و محمد عبد المجيد كعبار و حافظ المدنى و سيد عون الميساوى .
و قد استدعيت ذات يوم الى مبنى التحقيق حيث تم املاء نماذج لجمع المعلومات التفصيلية عن شخصى , أحسب أنها اعدت للحفظ فى أرشيف أحد أجهزة المخابرات : العامة أو المخابرات العسكرية , أوالأمن الخارجى , أو الداخلى , أو ربما للحفظ لجميع هذه الأجهزة .
و قد قدرت يوما عندما كنت أعمل بجهاز حكومى له خصوصية و أهمية ) أمانة رئاسة مجلس الوزراء ) أن بالبلد ما لا يقل عن عشرة أجهزة للمخابرات !!
 
محاولات شعرية
آن لي أن أضج ، أن أشعل الفجر لشعب ينوء بالأصفاد
 
جاعلا من ضحى الكفاح وشاحي   وأزيز الرصاص مائي وزادي
وعلى منبر المشانق أحيا        وأغني لفكرتي وبلادي
حيث تغدو السكين في قبضة الثأر ، لتهوي على يد الجلاد
 
(كاظم جواد)
 
وهددني بالسجن قوم سفاهةً       فتى العرب الأنجاد لا يرهب السجنا
سأبعث من شعري جيادا مغيرةً      عليها كماة تحسن الضرب والطعنا
 
 (بدوي الجبل)
 
 
اخفِ إيمانك
فالإيمان- أستغفرهم – احدى الكبائر
لا تقل انك شاعر
تب فإن الشعر فحشاء وجرح للمشاعر
أنت أميٌّ فلا تقرأ ولا تكتب
ولا تحمل يراعا أو دفاتر
سوف يلقونك في الحبس
ولن يطبع آياتك ناشر
(احمد مطر)
 
 
نحن الآن فى فبراير 1982 , و قد مضى على وجودى بالمعتقل مدة 45 يوما و قد خفت عنى حدة التعذيب قليلا , و لكننى أعيش فى حالة ارهاب نفسى , فهاجس التعذيب يلاحقنى , و نفسى تضطرب كلما سمعت شخصا يعذب , و هو يصيح و يستنجد , أو سمعت أحد الزبانية يهدد و يتوعد , أو يضرب بعصاه أبواب المعتقل , خاصة إذا كان ذلك فى جوف الليل !!
و فى هذه الأيام تفتحت قريحتى الشعرية من هول المعاناة , كتبت محاولات هى فى الواقع ليست قصائد بمعنى الكلمة و ان ظهر بعضها كمقطوعات سليمة الوزن , و أتصور لو أن الكتابة النثرية كانت متاحة لى فى هذه الفترة لكانت النتائج أفضل بكثير .
و لكن فقدان الورق و الأقلام و الخوف من العقاب صرفانى الى هذة المحاولات الشعرية الصغيرة فصرت القى شعرى جهارا و ابدى و اعيد حتى يستقيم لى اللفظ و المعنى , ثم اوثق ( المحاولة ) على صفحة بيضة مسلوقة استطعت أن أنقشها على قشرتها !!
و هكذا صرت أحتفظ ببيضة الإفطار التى أنالها فى بعض الأيام , لتسجيل القصيدة عليها , فاجتمع لى بعد مدة بضع بيضات على قشرة كل منها قصيدة .
  
واحة القرآن
 
فى هذه الأيام سمعت جارى فى الغرفة الملاصقة يتلو القرآن ، فسألته أن يملى علي بعض السور لأحفظها , لكن الإملاء يتطلب رفع الصوت , و هذا يفضح أمرنا لدى الحراس , فأخذنا نبحث عن منفذ نسرب منه ورقة نسخت عليها بعض الآيات فلم نجد , و بعد بحث دقيق بشتى السبل الممكنة عثرنا على ثقب فى الجدار الفاصل بيننا على ارتفاع مترين من سطح الأرض , لقد كان ثقبا مستديرا بقطر القلم استعملناه أولا لتمرير الأوراق ثم استعملناه لتبادل الحليب أيضا !!
و أول سورة حصلت عليها من خلال الثقب كانت سورة الأنبياء وصلتنى على عدة دفعات , كنت أحفظها أولا بأول , و أصلي بها القيام فى تلك الليالى , ثم كتب الى زميلى بسورة المؤمنون , فحفظتها و صليت بها أيضا , و لست أدرى السبب الذى جعلنى أتوقف عن الحفظ عند هاتين السورتين .
 
تفتيش مفاجىء
 
فى احدى الليالى حضر بعض المحققين من اللجان الثورية بصحبة بعض الحراس و أخذوا يفتشون غرفنا , و تبين لى أنهم يبحثون عن الأدوات الحادة , و لم يجدوا عندى شيئا منها , و كنت أخشى أن يأخذوا مني القلم و لكنهم تركوه , و خمنت أن أحد المعتقلين قام بمحاولة للإنتحار فكانت هذه الحملة التفتيشية المفاجئة.
ضبط معتقلين و هما يتحدثان
 
و ذات يوم رأيت أحد المعتقلين مغطى العينين مكتوف اليدين و القدمين , مربوطا الى شباك معدنى موقوفا فى الشمس , وكان يلح على الحراس أن يعطوه شربة ماء , و فهمت أنه عوقب بهذه الطريقة لضبطه يتحدث مع معتقل آخر . لقد كان التحادث ممنوعا , و لذلك عزل كل معتقل فى غرفة لوحده .
 
يتبع / السنوات العجاف(10)

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

           
               


Posted on Sunday, February 19, 2012

العودة إلى المقالات    

الصفحة الرئيسية | من نحن | مقالات | أخبار و تعليقات | ملفات خاصة | منبر الجمعة | البيانات والتصريحات | مجلة الإنقاذ | صوتيات و مرئيات | Enough!خلاص | بريد الإنقاذ | حوارات | كاريكاتير | إتصل بنا | مواقع ليبية | تعازي | بحث
© Copyright 2000 - 2012 by NFSL
This site is optimized for Netscape 4.0 and Internet Explorer 5.0 or higher. Please download an updated version.