بقلم: فرج بو العَشّة
كان بادوليو، على الضد من مسار المفاوضات، يخطط لأمر لآخر. "فقد أبرق إلى روما، بعد مفاوضات سيدي رحومة معلنا أن عمر المختار ورجاله قد استسلموا، دون ذكر الشروط التي تم على أساسها الاستسلام. وعقد في طرابلس مؤتمرا صحافيا نفى فيه أنه قام بمفاوضات مع عمر المختار وأن الأخير استسلم بناء على ضغط رجاله الذين أرهقتهم الحرب والحرمان والمصاعب. وذهل الناس في ليبيا لهذا النبأ. وكان عمر المختار أكثرهم ذهولا. فهو لم يستسلم ولم يعِد بادوليو بشي باستثناء الاتفاق على هدنه شهرين. غير أن هذا الاستسلام المزعوم كذبته الوقائع. فقد ظل عمر المختار ورجاله محتفظين بسلاحهم ينتظرون رد إيطاليا بخصوص مواصلة المفاوضات. ولكن الإيطاليين صدقوا بادوليو وظلوا ينتظرون وصول عمر المختار إلى بنغازي مستسلما وطال انتظارهم ولم يسلـّم المجاهدون بندقية واحدة." 1
كان المارشال بادوليو يريد استغلال فترة الهدنة لشق صفوف المجاهدين وبث الفرقة بين سي عمر والقيادات السنوسية، التي استهدف استمالتها عن طريق تقديم الإغراءات بالمال والمناصب، للتوقيع على اتفاق يضمن سيادة إيطاليا الكاملة على ليبيا. وكان سي عمر عارفا بالاتصالات الإيطالية المشبوهة بالحسن الرضا، الصبي ذو السابعة عشر عاماً، بصفته ممثلا للطريقة السنوسية نيابة عن أبيه محمد الرضا الوكيل للعام للطريقة السنوسية. كان الحسن صبيا غراً. وكان في اجتماعات التفاوض التي حضره مع سي عمر يجلس صامتا. فالكلام والقرار كان للسيد المختار وحده. وكان الحسن تابع لوجهة نظر والده، الذي كان يميل إلى مسالمة الطليان، ويحث عمر المختار على عدم تفويت فرصة الاتفاق معهم.
وهكذا، بعد حوالي شهر من "اجتماع سيدي رحومة" جاء سيشلياني مندوب بادوليو ومعه الحسن الرضا للاجتماع بسي عمر عند "سِيدي رويفع" بمدينة البيضاء. وطلب أن يتم توقيع الاتفاق في بنغازي بحجة أنها عاصمة الولاية. كان سي عمر يدرك أن المقصود من اختيار بنغازي لتوقيع الاتفاق هو ضمان عدم حضوره. فهولا يأمن على سلامته وسلامة رفاقه في بنغازي. فالاجتماعات السابقة التي عقدها مع الطليان كان تتم في مناطق نفوذ المجاهدين. وهنا عرض سيشلياني على سي عمر أن يُفوض الحسن الرضا للتوقيع على الاتفاق إذا كان لايريد أن يحضر بنفسه إلى بنغازي. ووافق سِيدي عمر على تفويض الحسن بالتوقيع على أساس الشروط التي عرضها المجاهدين في "اجتماع سيدي رحومة".
بعد عودة سيشلياني والحسن الرضا من مقابلة سِيدي عمر،في "رويفع الإنصاري" إلى بنغازي،وإطلاع بادوليو على نتائج الاجتماع،أجرى الأخير اتفاقا سريا مع الحسن الرضا مخالفا لمطالب سي عمر. وأصدر بشأن ذلك منشورا يشوه، بالمخالفة والدس، الشروط المتفق عليه مع سي عمر، تم توزيعه على أعيان بنغازي وشيوخ القبائل لتلاوته على السكان. وجاء في منشور بادوليو الذي يمتح من أحابيل وأخاديع الخطاب الكولونيالي المعهودة:
يا أهالي برقة ،
إني أحمد الله سبحانه وتعالى الذي هدى لطريق الصواب أولئك الذين كانوا عنا خارجين، وأنار بصيرتهم لإدراك معنى ما أقصد إجراءه من الأعمال لمنفعتكم ولخير هذه البلاد التي بينتها بندائي السابق. وبما أن حسن التفاهم قد حصل مع تبادل الثقة التامة بإخلاص وحسن نية بيننا وبينهم، بعد أن فهموا وقدروا نوايانا هذه حق قدرها. فها قد وصلتم وإياهم للغاية المنشودة اليوم 13 يونيو سنة 1929 م الموافق 5 محرم سنة 1348 هـ. فتذكروا إذن وعلى الدوام هذا اليوم التاريخي الذي افتتحت به برقة عصراً جديداً حيث استتب السلم، ووضعت الحرب أوزارها، وأصبحتم منذ اليوم بحسب نوايانا الحكومية الخالصة آمنين على أرواحكم وعائلاتكم وحيوانتكم وكل ما ملكت أيديكم، فرحين ومبتهجين بالمهتدين الذين عادوا اليوم الينا آمنين، مصافحين طائعين، راغبين الحياة تحت ظل حكومة ايطاليا العظمى، معترفين جهاراً بأن لا حكومة غيرها في هذا الوطن، واثقين بما سينالهم ـ رحمة منها وعدلاً ـ من العفو التام عما سبق وارتكبوه في الماضي من الجرائم السياسية. إنني واثق مثلكم بأن كافة اخوانكم أبناء هذا الوطن المهاجرين خارجاً عنه سيعودون متى يبلغهم هذا السلم آمنين طائعين، وبذا يضم هذا الوطن لأحضانه أبناءه الأعزاء البعيدين. وقياما بما وعدتكم به سابقاً، واحتفالاً بأُبّهة ذكرى هذا اليوم أُبلغكم بأنني أمرت اليوم بالإفراج عن كافة الذين حكم عليهم بالنفي، وأعدكم بالإلتجاء لصاحب الجلالة الملك ويتوريو عمانوئيل الثالث المنصور كي يمنح من لدنه عفوه الملوكي عن المحكومين الآخرين لأسباب سياسية الذين يستحقونه. وبهذا يصبح منسيّا كل ما وقع في الماضي،لاعتباري كل فرد رعية لأم الوطن إيطاليا طائعاً ممتثلاً لقوانين الحكومة.
أكرر لكم القول مرة أخرى بأنني سأداوم كالسابق على احترام الديانة الإسلامية والزوايا وأملاكها وحقوق العائلة السنوسية. وسأحافظ على كرامة أبناء البيوت القديمة النبيلة، كما سأحافظ أيضاً على ما يتمتع به من النعم أولئك المشايخ والأعيان الحديثين الذين ترقوا للمشيخة باستحقاق خاص مقابل الخدمات التي أدوها للحكومة والوطن. هذا هو قولي. وهذه ستكون أفعالي. فهلّم معي لعمل ما فيه تحقيق الآمال. بنغازي في 19 يونيو سنة 1929
والي ليبيا
مارشال ايطاليا...."2
وبتوجيه من الطليان سافر الحسن الرضا إلى الجبل الأخضر لملاقاة سي عمر.اجتمع الصبي المراهق بشيخ المجاهدين،في المكان نفسه،بالقرب من "سِيدي رويفع الانصاري". وفي هذا الاجتماع عرض الحسن الرضا على سِيدي عمر بنود الاتفاق الذي وقع عليه مع الطليان،مخالفا الشروط التي طرحها المجاهدين في اجتماع "سِيدي إرحومة". وكان واضحا من بنود الاتفاق الذي وقعه الحسن بن الرضا السنوسي أنه صك استسلام مشين. فهو ينص على:
-
تعتبر الحكومة الإيطالية عساكر عمر المختار دورية وطنية.
-
تقيم عساكر عمر المختار بنقطة جردس العبيد.
-
تعترف الحكومة برتب الضباط وتصرف لهم شهريات هم وعساكرهم.
-
يكون جميع ضباط وعساكر عمر المختار تحت أمر ضابط ايطالي.
-
يكون للحكومة الايطالية الحق في نقل عساكر عمر المختار لأي جهة شاءت.
-
يكون للحكومة الحق في تغيير السلاح الذي بأيدي عساكر عمر المختار بأي سلاح شاءت.
-
يكون للحكومة الحق في تسريح بعض عساكر عمر المختار إذا رأت ذلك.
-
يكون للحكومة الحق في معاقبة من ارتكب جريمة قبل هذا الصلح من عساكر عمر المختار وليس لعمر المختار حق الاعتراض على ذلك.
-
يكون للحكومة الحق في رفض الضباط الذين لا يعرفون اللغة الإيطالية.
-
تتولى الحكومة أمر العرب الذين تحت عمر المختار الآن على ألا تكون لعمر المختار أي سيطرة عليهم.
-
تتعهد الحكومة الإيطالية للسيد حسن السنوسي بمعاش قدره خمسون ألف فرنك في الشهر وتبني له قصراً في مدينة بنغازي.
-
تتعهّد الحكومة الايطالية لعمر المختار بمعاش قدره خمسون ألف فرنك في الشهر وتصلح له زاوية القصور وتبني له فيها مسجداً ومئذنة وبيتاً يليق بمقامه وتأتي له بمعلمين يعلمون الأولاد ولا تمنع الأهالي الإتصال به...
وبعدما أطلع سِيدي عمر على بنود الاتفاق، قال لحسن الرضا بأسى:"غروك يا ابني بمتاع الدنيا الفاني ورضيت بهذه الشروط المزرية!!". فرد الحسن محتجا في انفعال مراهق:" لقد اتفقت مع الحكومة على هذه الشروط ولا يمكنني أن أنقضها."
كان ذلك الصبي السنوسي يتصرف على أساس أن شيخ المجاهدين مجرد تابع له، بحسبانه ينوب عن أبيه محمد الرضا الوكيل العام للطريقة السنوسية. وقد أدرك سي عمر أدرك ألا جدوى من مناقشته أو محاولة رده عما أقدم عليه. فجمع شيوخ القبائل وقرأ عليهم بنود الاتفاق الذي وقعه الحسن الرضا. ثم قال في الجمع:" إني لا أرضى بهذه الشروط وأفضل الموت جوعاً وعطشاً ولا ألقي بنفسي وإخواني بين أيدي الإيطاليين يتصرفون فينا كيف شاؤوا. وطلب اليهم أن يصرحوا إن كانوا راضين بها أو غير راضين. فقالوا لا نرضى بشرط من هذه الشروط." فقال الحسن:" لا بد من قبولها." فقال له الشيخ الشريف القاسم العبيدي :" انك لست خالقاً بل أنت مخلوق مثلنا، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق."
وعندها قام الحسن السنوسي غاضباً وقال: ليقم معي كل من يريد أن يتبعني.فقام معه ما يقارب ثلاثمائة رجل، ونزلوا على بئر على مسافة ساعتين من النقطة الإيطالية بمراوة، وعين معه الطليان ميلاكري. ومن هذا الوقت انقطعت العلاقة بين السيد عمر والحسن ابن الرضا." 3 ... يتبع
فرج بو العَشّة
faragasha@yahoo.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ عـمر المختار و بادوليو أو مفاوضات سيدي ارحومه، الكاتب: د. وهـبي البوري، مجلة "تراث الشعـب" ـ السنة 25 ـ العـددان 1-2، 2005،ليبيا
2 ـ عمر المختار، الطاهر أحمد الزاوي، مؤسسة الفرجاني، طرابلس 1970، ص 137.
3 ـ عمر المختار، الطاهر أحمد الزاوي، مؤسسة الفرجاني، طرابلس 1970، ص 141